محمد راغب الطباخ الحلبي
116
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
كان فاضلا محققا فطنا بارعا متوقد الذهن والفكر ، وكان والده كرديا من نواحي شهرزور قدم إلى دمشق وتولى خطابة خان قرية النبك وتزوج بامرأة من القرية المذكورة وأولدها عدة بنين وبنات . ولد في ابتداء هذا القرن ، وقرأ على والده بعض مقدمات على مذهب الإمام الشافعي ، وحبب له الطلب فرحل لدمشق ونزل بمدرسة السميساطية وقرأ على المجاورين بها وأكثر على أستاذه الشيخ أحمد المنيني وبه تدرب وصار طباخا في المدرسة المرقومة ، غير أنه كان يناضل في الانتقاد ويساهم في الاعتقاد . ولم يزل في ضنك من العيش ، ولم تخل حركاته من طيش . وحصلت منه هفوة حمله الحمق بسببها ، على أنه أقرّبها لدى الشرع ، وخشي من إقامة الحد عليه ، وكان ذلك بإغراء أحد أعيان دمشق ، فخرج منه خائفا وقصد مدينة إسلامبول دار الملك واختص ببعض أركان الدولة ، وأمن من زمانه تلك الصولة ، فجعله في خلوته نديم مرامه واختلس برهة التيه ، ونسي ما كان فيه ، ومشى مشية لم يكن ورثها عن أبيه ، فما استقام حتى نكص على عقبه لزلة قدمها ، ففارقها وفي النفوس منها ما فيها . وقدم طرابلس الشام وتزوج بها واستقام ، وحصل له بعض وظائف ، ولبث هناك برهة من الأيام ثم قصد وكنه الأصلي ولم يجعله مقره ولا سكنه . ثم توجه تلقاء مصر فأحله وإليها الوزير محمد باشا الشهير بالراغب في أسنى المراتب ، وامتدحه بقصيدة وهي قوله : هذي مناي بلغتها لأوانها * فالحمد للأفلاك في دورانها الآن قرّت بالتواصل أعين * طال اغتراب النوم عن أجفانها أقول : وهي قصيدة غراء طويلة سردها المرادي بتمامها اقتصرت منها على هذين البيتين خوف الإطالة . ثم أورد له كثيرا من النظم والنثر بما يطول الشرح لو نقلناه وكله غرر فارجع إليه إن أحببت الوقوف عليه . ومنه ما قاله مضمنا شطرا للفتح النحاس الحلبي : بنفسك بادر رمّ بيتك واجتهد * وإن لم تجد إحكامه واصطناعه ولا تدخل العمّار دارك إنهم * متى وجدوا خرقا أحبوا اتساعه ثم قال : وكان قدم حلب صحبة واليها الوزير الراغب المقدم ذكره فتوفي بها .